فاتحة
«الحمد لله شرّف بيته الحرام، وفضّله وجعله مثابةً وأمنًا للأنام، وعظَّمه بفرض حجّه على المستطيع في الكتاب والسنة، وكرّمه بأن من حجّه تعلّق بأستاره حتى يُدخلَه الجنة، وجعل الطواف به من أفضل القُرَب، واستلام الحجر الأسود والركن اليماني سببًا لحطّ الخطايا أيّ سبب، والتزام الملتزم محققًا لاستجابة الدعاء بكل مطلوب، وصلاة ركعتين خلف المقام، يغفر بها ما تقدّم وما تأخّر من الذنوب.
أحمده أن جعلنا من أهل حَرَمه، ومتّعنا بمشاهدة بيته، ورزقنا من جميع نعمه، ومنّ علينا بزمزم التي ماؤها طعام طُعم وشفاء سُقم، والتضلّع منه آية ما بيننا وبين المنافقين، وفضَّلَه على الكوثر، فلذا غَسَل به صدر سيد المرسلين.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المنزّل على أهل المسجد الحرام كل يوم مئة وعشرين رحمة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث من أشرف قريةٍ إلى خير أمة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله الأطهار، وصحبه، المهاجرين منهم والأنصار».
[ديباجة «إخبار الكرام بأخبار البلد الحرام». مخطوط مكتبة قطر الوطنية. ورقة 1 ظ]
تدور صفحات هذا المخطوط حول الكعبة المشرفة؛ البيت العتيق، قلب الدنيا، وأوّل بيتٍ وُضع للناس، ومهوى الأرواح، الذي جعله الله قبلةً، ومثابةً، وأمنًا.
هناك، حيث تتجه القلوب قبل الأجساد، وتتعانق الأرض بالسماء، تعلو الكعبة قبة النور في السماء السابعة: البيت المعمور، يطوف به كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون، كما يطوف أهل الأرض بالبيت.
ومكة، التي تحتضن هذا المشهد، ليست مجرّد مكان، بل موطنًا مقدسًا تراكبت فيه طبقاتٌ من الإيمان والذاكرة والعمران.
ومن بين الآثار القليلة التي حفظت لنا هذا المشهد المكيّ العتيق، نسخة مخطوطة من كتاب «إخبار الكرام بأخبار المسجد الحرام» للأَسَدي، وهي نسخةٌ مغربية حفظت هذا الكتاب المكيّ النفيس حتى استقرت محفوظة في مجموعة المخطوطات بمكتبة قطر الوطنية، برقم التصنيف: (HC.MS.2016.0058).
وتمثل هذه النسخة شاهدًا على تداول النصوص القديمة، وانتقالها عبر أقاليم العالم الإسلامي، من مكة إلى المغرب، ثم إلى الدوحة اليوم، كما توثق استمرار تداول هذا الكتاب حتى أواخر القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، وهو زمن نسخها.
وهكذا، يولد هذا المخطوط من رحم المكان وروحه، ليكون سجلًا لما كانت عليه عمارة الكعبة ومشاهد الحرم في زمن مؤلفه، موثقًا معالم البيت ومآثره بالرؤية والمعاينة. وهو يقدّم صورة حيّة لتلك المشاهد والمقامات، بما حفظه من أوصاف ومشاهد دقيقة.
التعريف بالمؤلِّف
هو الشيخ أحمد بن محمد الأَسَدي المكيّ الشافعي، أديب نحويّ من أهل مكة، له مُشاركةٌ في الفقه الشافعي والعلوم. ولد سنة 1035هـ/ 1625-1626م، وتوفي سنة 1066ه/ 1656م.
التعريف بالكتاب وقيمته
يُعد كتاب «إخبار الكرام بأخبار المسجد الحرام» من المصادر المهمة في وصف الحرم المكي وتاريخه العمراني في العصر العثماني، إذ جمع مؤلفه بين فضائل الكعبة، ووصف المسجد الحرام ومعالم مكة، مع عناية خاصة بعمارة البيت العتيق وما اتصل بها من أعمال الترميم والكسوة وشؤون الحرم.
وكان من أهم ما حفظه الكتاب، مما لا يوجد في كثير من المصادر، وصفُ بناء السلطان العثماني مراد الرابع للكعبة سنة 1040 هـ/ 1631م، وكان عمر المؤلف حينها نحو خمس سنوات. فقد لقي رجالًا ممن باشروا هذا البناء وشاركوا فيه، فسمع منهم كثيرًا من أخبار البناء وأحواله، كما حضر أعمال العمارة وحقّق ما يتصل بها، فنقل تفاصيل دقيقة تبدأ من السيل الذي أصاب الكعبة، وتمتد إلى أعمال المهندسين والنجارين وغيرهم من الصُّنّاع والعمّال.
وتبرز قيمة الكتاب هنا في اعتماد مؤلفه على المشاهدة المباشرة، إلى جانب نقله عن عدد من المصادر المكية المهمة، وحسّه النقدي وترجيحه بين الروايات والأقوال.
ولم يتسنَّ للأسدي أن يُتمّ كتابه؛ فقد وافاه الأجل وهو في الحادية والثلاثين من عمره، تاركًا الكتاب مسودةً. فتولَّى ابنه من بعده تبييضَها وإتمام ما بقي، وكتب في مقدمة الكتاب: "مات رحمه الله قبل تبييضه وإلحاق أشياء ترك لها بياضًا". وهكذا وصلنا الكتاب شاهداً على جيلين: يدٌ كتبته، ويدٌ أتمّته.
نماذج مختارة من المخطوط
المخطوط مليء بالمسائل واللطائف، وقد أردنا أن نورد نموذجًا واحدًا منها، ليعيش القارئ في زمنٍ غير الزمن، وعمارة غير التي نعرفها اليوم للحرم الشريف. ويكشف النص التالي جانبًا من الحياة العمرانية والوظيفية للحرم المكي قديمًا، بما في ذلك بعض المنشآت والمرافق التي اندثر كثيرٌ منها أو تغيّرت وظائفه اليوم. ولا تقتصر أهمية هذا الوصف على عمارة الحرم الظاهرة، بل تمتد إلى تسجيل تفاصيل الحياة اليومية والخدمات المرتبطة به، من القناديل والزيت وأدوات العمارة، إلى أدوات توقيت الصلاة، ومواضع الأذان ومرافق زمزم.
وفيما يلي النص متبوعًا بصورة من المخطوط:
يصف الأسدي معالم الحرم بدقة، ومنها سقاية العباس التي يذكر بالقرب منها:
«وخلفها محلٌ لطيفٌ مسقوفٌ كان لآلات الوفادة كالمحطات التي تنزل بها القناديل، والقصب الذي يطفأ به، وزيت الأسبوع ونحو ذلك. ثم بنى لهذه الآلات محل آخر عند باب المسجد الذي تحت منارة علي، وجعل ذلك المحل لبعض أنقاض المسجد كالحديد والخشب وآلات العمارة.
وفيه على بئر زمزم بناءٌ مربعٌ مسقّف، وفوقه ظلة، فيها قبة لطيفة مصفّحة بالرصاص. وقد جدَّ في عام ثمانية وأربعين وتسعمائة على يد الأمير خشقلدي.
وفي هذه الظلة خزانة لطيفة فيها مناكيب لمعرفة أوقات الصلاة، وإلى جانبها مزولة يعرف بها الماضي والباقي من النّهار. وفيها يؤذن رئيس المؤذنين، ويبلّغ خلف إمام الشافعية في الصلوات.
وفيه قبة لطيفة مصفّحة بالرصاص على مقام إبراهيم.
ذكر صفة المقامات الأربع، وفيه أربع مقامات للأئمة الأربعة ...». انتهى.
ورقة (21 و)
ويمكننا أن نستحضر بعض ملامح تلك العمارة من خلال هذه المنمنمة المصورة من مخطوط "فتوح الحرمين"، التي تساعد على تصور عدد من العناصر المعمارية التي وصفها الأسدي في نصه:
منمنمة مصورة للمسجد الحرام في العصر العثماني
وتظهر فيها تفاصيل عدد من العناصر المعمارية
مخطوط «فتوح الحرمين» لمحيي الدين اللاري
شبه القارة الهندية، القرن ١١ الهجري/ ١٧ الميلادي تقديرًا
مكتبة قطر الوطنية. (HC.MS.PER.00338)
[المصدر: معرض الكعبة المشرفة. موقع مكتبة قطر الوطنية]
وهكذا لا يحفظ هذا المخطوط وصفًا للحرم المكي فحسب، بل ينقل أيضًا صورة حيّة لذاكرة مكة وعمرانها في القديم، كما حملتها النسخ عبر القرون حتى وصلت إلينا اليوم، ليبقى البيت مثابةً للقلوب.
إضافة تعليق جديد